هل تحارب تركيا مرتزقتَها في إدلب…؟!

0
19

عبد العزيز حمدوش –

إذا كانت الثورة السوريّة تستند إلى أسباب ذاتيّة موضوعيّة، فإن تحوّلها إلى أزمة وحرب ضروس متعددة الأطراف يعود لأسباب إقليميّة ودوليّة، فالثورات الوطنيّة حلٌّ للمشاكل، وأما الحروب فلا تنتهي إلا بتوافق الأطراف المتصارعة، والمفارقة أنّ دولاً جهرت بتدخلها بزعم أنّ النظام فقد الشرعيّة، وشنّفت الآذان به شعاراً لتجييش الناس وإثارة مشاعرهم، نجدها تنكفئ، وتتحدث عن تدوير الزوايا، والحلّ السلميّ، ليبدو أنّ شرعيّة الأنظمة لعبة سياسيّة، على حساب الشعوب التي يُفترض أن تكون مصدر كلّ شرعيّة.

من السطحيّة القول إنّ الأزمة السوريّة انحسرت عن اختلافات في مواقف الدول الإقليميّة، أو تناقض المصالح بين الكبرى منها، فتلك حقيقة ثابتة، بل كانت تجسيداً مباشراً لكلّ الاختلافات والتباينات، وأُضيفت إليها عوامل تاريخيّة، وصيغت بشكلٍ محكمٍ، لتبدو حلقة جديدة من مسلسل حروب المنطقة، والحقيقة أنّ كلّ حروب المنطقة وقعت بالصورة ذاتها، وكان الفرق أنّها كانت حروباً عبر الحدود، أما الحرب السوريّة فميدانها عقل الإنسان وإرادته وعقيدته، فكانت ساحتها القرى والبلدات والأحياء، وإذا كان المجتمع الدوليّ قد توصل لجملة توافقات حول القانون الإنسانيّ للحروب، فإنّ حرباً تستلهم قواعدها وفكرها من (أبي بكر ناجي) مبتدع كتاب إدارة التوحش، فكانت النتيجة مشاهد قاسية تجاوزت حدّ الاحتمال الطبيعيّ للإنسان، فكانت جرائم حرقٍ وذبحاً وغرقاً وتقطيعاً للأوصالِ، وتمرّدت على الفطرة السليمة، فكان الاغتصاب باسم الجهاد.
واليوم تتداول كلّ العواصم الحديث عن انفراجٍ قريبٍ في الأزمة، بالتزامن مع انعطافات حادة في مواقفها، ومن المؤكد أنّ ذلك ليس ثمرة اجتماعات جنيف وأستانه، التي وُضعت في الطريق للإيحاء بجهد دوليّ سلميّ لحلّ الأزمة، فالتعويل كان على الميدان. وجاء التدخّل الروسيّ الجوفضائي وأحدث الصواريخ في لحظة حرجة وعلى هذا النحو من الثقل لتغيير معطيات الميدان وضمان بقاء النظام، فيما شكّل التدخل الإيرانيّ وحزب الله الدعم الرديف على الأرض.
والواقع أنّ كلّ الأحاديث عن الانفراج بدأت بعد قمة ترامب – بوتين على هامش مؤتمر العشرين في هامبورغ، يومها خرج وزير الخارجيّة الروسيّ، سيرغي لافروف ليتحدث عن الاتفاق «على وقف لإطلاق النار جنوب سوريا». على أنّ يعهد للشرطة العسكريّة الروسيّة العمل على حماية الأمن حول مناطق تخفيف التصعيد في الفترة الأولى بالتنسيق مع الولايات المتحدة والأردن. وبذلك تمّ إنجاز منطقة خفض التوتر المرحلة الأولى وتثبيت نتائج العمليات العسكرية التي وسّعت الإطار الآمن حول دمشق بعد الدخول إلى البلدات من بوابة المصالحات، وتمّ إلحاق هذه المرحلة بانسحاب مرتزقة أحمد العبدو وأسُود الشرقية من التنف، والتوافق حول معبر نصيب مع الأردن، ووفق معطيات قمة هامبورغ تفهمت الأطراف الإقليميّة طبيعة المرحلة القادمة، وسلّمت ببقاء النظام، فتوالت من بعدها مواقف تعديل السياسات، ليس هذا وحسب، بل مضت روسيا قدماً في استيعاب أهم عاملين في الأزمة السوريّة وهما تركيا والسعوديّة المرتبطتين بعلاقات تاريخيّة وإستراتيجيّة مع الولايات المتحدة الأمريكيّة، وعقدت معهما صفقات بيع منظومات صواريخ إس 400 وأخرى اقتصاديّة.
وفي المرحلة الثانية انطلقت قوات النظام من ريف حماه الشرقي وعبر البادية لتصل إلى دير الزور بموازاة الضفة الجنوبيّة للفرات، وتأخذ هذه المرحلة أبعاداً إضافيّة بوصول الحشد الشعبيّ العراقي إلى الحدود ليتوسّع مساحة النفوذ الإيرانيّ، ما أثار حفيظة الحليف الروسيّ.
يعتبر توافق أستانه الأخير حول إدلب وضمّها منطقة خفض توتر رابعة بضمانة (إيران وتركيا وروسيا)، مضمون المرحلة الثالثة، وبذلك لا يمكن فصل زيارة أردوغان لطهران وزيارة بوتين لأنقرة عن الحراك العسكريّ الميدانيّ في إدلب، كما أنّه يعتمد جوهراً على الرصيد المنتج بتوافق الأطراف ذاتها حول حلب.
النظر إلى إدلب كمرحلة حاسمة في الأزمة يعود لأسباب عدّة منها انفتاحها على الحدود التركيّة، وأنّها تجمّع استثنائيّ لكلّ المرتزقة بما فيهم المرحّلون من دمشق وحمص وجرود عرسال اللبنانيّة، وكذلك المرتزقة من الجنسية الروسيّة الذين تحرص موسكو على عدم عودتهم. أما تركيا فدخول الميدان الإدلبيّ يسيّل لعاب حكومتها، في إطار خطتها لإحكام الحصار على مقاطعة عفرين ومنع تواصلها شرقاً مع كوباني، وغرباً عبر ريف إدلب. ولا تدّخر في هذا السياق جهداً وتدعم كلّ فصائل المرتزقة بمختلف توجّهاتهم.
التدخّل العسكريّ التركيّ سُبق بجملة من الزيارات الميدانيّة منها زيارة خلوصي أكار (رئيس هيئة الأركان التركيّ) إلى منطقة ريحانية بولاية هاتاي، يرافقه قائد القوات البرية الفريق أول يشار غولار وقائد القوات الجويّة الفريق أول حسن كوجوك آق يوز، والهدف تفقد الوحدات العسكريّة المتمركزة على الحدود. فيما رفع الجيش التركيّ وتيرة تحركاته العسكريّة بالمنطقة استعداداً للانتشار في إدلب.
من جهة أخرى استنفرت مرتزقة درع الفرات بعدما أوعزت تركيا لها بالالتحاق بجبهة إدلب، وقال الملازم أول عبد الله حلاوة (القائد العسكريّ العام لفرقة الحمزة): «إنّ دخول إدلب بات قريباً»، دون ذكر تفاصيل. وقال العقيد أحمد عثمان أحد قادة لواء السلطان مراد: «هناك حشود عسكريّة للأخوة الأتراك على الحدود من جهة باب الهوى، حتى الآن يقتصر الدخول على الدعم اللوجستيّ للمساعدة في المعارك إن حصلت، وننتظر ما تحمل لنا الأيام المقبلة».
وبسبب عدم وضوح صيغة التدخّل بادرت أنقرة لعقد اجتماعات مع فصائل المرتزقة فــي إدلب وحماة وحلب لوضع فكرة العمل العسكري من الداخل باتجاه الحدود التركيّة، لأنّ مرتزقة هيئة تحرير الشام تسيطر على الحدود وصولاً إلى دارة عزة، وتهديدها بالتصدّي للقوات التركيّة معتبرة نفسها وريثة «الثورة السورية»، وقال أردوغان بهذا الصدد: «إنّ الجيش التركيّ سيعمل داخل حدود إدلب، بينما ستكون القوات الروسيّة خارجها». ولأنّ تركيا ليست في وارد محاربة الإرهاب وهي مأخوذة بفوبيا الكرد فقد بادرت للتفاوض مع مرتزقة «تحرير الشام»، إذ هي لا تحتمل خسائر في صفوف جيشها على ذمة الأزمة السوريّة، وتمّ تداول تفاوض مع مرتزقة هيئة تحرير الشام لتسليم جيش الاحتلال التركي ثلاث نقاط بين عفرين وإدلب، بدون قتال. ولتعمل لاحقاً على تسويق جملة توافقاتها على انتصارات سياسيّة بعدما فشلت عبر أدواتها عسكريّاً. فأنقرة تدرك أنّ العملية العسكريّة محفوفة بمخاطر قد تنعكس على الوضع السياسيّ الداخليّ.
ميدان إدلب أسفر عن تناقض في الموقف الروسيّ، فهي وعبر توافقها مع تركيا ستؤمن الغطاء الجوي للمرتزقة الموالين لأنقرة كما ادعى أردوغان، وهذا ما قصده بيان مرتزقة «هيئة تحرير الشام» بالقول: «ولتعلم فصائل الخيانة التي وقفت بجانب المحتل الروسيّ أنّ إدلب ليست نزهة لهم وأن آساد الجهاد والاستشهاد لهم بالمرصاد فمن أراد أن تثكله أمه وييتم أطفاله وترمل امرأته فليطأها بقدميه».
معركة إدلب المفترضة جاءت مسبوقة بإعلان رئاسة الأركان الروسيّة عن قتل عدد ممن قياديي «النصرة» وإصابة الجولانيّ، فيما بدأت فعلاً المدفعيّة التركيّة صباح الأحد بتقديم الإسناد الناريّ لقوات ما يسمّى «الجيش الحر» إيذاناً ببدء العملية العسكريّة. واندلعت اشتباكات في قرية كفرلوسين الحدوديّة. وقام جيش الاحتلال التركيّ بإزالة الجدار العازل عند بلدة أطمة، فيما احتشد عناصر مرتزقة فرقة «الحمزة» عند معبر باب الهوى.
ومن مفارقات جبهة إدلب أنّها تضم وجوداً مباشراً لقوات النظام جنوباً، والذي يستعد للتقدم اعتباراً من ريف حماه، لذلك اندلعت معارك أسفرت عن سيطرة مرتزقة هيئة تحرير الشام على قرية أبو دالي والتي تخضع لسيطرة عشائر موالية للنظام السوري، برئاسة الشيخ أحمد درويش، عضو مجلس الشعب، وتعد منطقة ذات نشاط تجاريّ استثنائي وتُعرف بـ»المنطقة الحرة». سبق ذلك سيطرة المرتزقة على قرية «المشيرفة» التابعة لناحية عقيربات بمحافظة حماة وعدة حواجز للنظام السوري وحلفائه في ريف حماة الشماليّ.
وبالمجمل لا يمكن الوثوق بالنية التركيّة في محاربة الإرهاب أيّاً كان حجم توافقها، فهي لا تزال تواصل قصفها للقرى الآمنة في عفرين والشهباء وكوباني، وما وعودها لكلّ أطراف المعارضة والشعب السوريّ إلا شكلٌ لذر الرماد في العيون، وفي الوقت الذي توصّلت فيه لوضع نهاية للإرهاب وحرق الأدوات، تواصل أنقرة فتح القنوات معها.