« لذاكرة الوجع »

0
26

محمد باقي محمد –

عندما وقعت عيناه عليها، احمر وجهه حتى الأذنين، وارتفع وجيب صاخب في الوتين، فيما عرا وهنٌ مفاجئ الركبتين، كانت صفرة شاحبة قد علت ملامحه البليدة، تماماً كما حدث له حينما رآها في المرّة الأولى، كان ذاك قبل أربعين عاماً ونيّف على وجه التقريب!
كان قد قصد سوق الخضار بهدف التسوّق، وهي مهمّة أسندها لنفسه، لا لشيء إلاّ ليشعر بأنّه حيّ وما يزال، وهناك عند القفص الصدريّ – نحو اليسار – شعر بالوخزة ذاتها، تلك التي ترافقت برؤيته لها للمرّة الأولى، إذ ذاك هتف هاتف مُبهم: إنّها هي..! هي من يبحث عنها، لتلتحم بفقرات العمر كصنو للروح أو – ربّما – كوشم!
وداخله حرجٌ من نوع ما كما في أيام الشباب تلك، ذلك أنّ عكازاً مقيتاً كان قد انضاف إلى ” كاركتره ” بعد آخر لقاء لهما، لقاء وقع في مكان ما.. في زمان ما، لكنّه لم يعد يتذكّره، ناهيك عن ألم ألمّ بالمفاصل، واشماً مشيته ببطء لافت!
وهشّت هي الأخرى لمرآه، فتدوّر الوجه الذاهل، ليُفصح عن ابتسامة ناحلة، وشت بجمال راح يُغرّب تحت فأس السنين الظالمة المُنصرّمة والتي لا تلوي على شيء!
عن الأحوال سألها وعن الأولاد والأحفاد، فأنّت كقطة ركلتها قدم، وهزّت كتفيها بارتباك أخفق في التعبير عن اللامُبالاة، وكم بدت – إذ ذاك – فاتنة وغرّيرة، لتذكّره بماضيات الأيام الجميلة، وما كان أقلّ منها ارتباكاً وخيبة في أجوبته اللاهثة المُتقطعة، التي راحت تشكو قطعاً في السياق المُتخم بالذكريات!
وتمنّى وتمنّت، أن تطول لحظة اللقاء كانت تلك مُنتهى الأمنيات، بيد أنّ التسويف والتباطؤ والإرجاء والمُماطلة لم تنجح جميعها في تأخير الفراق إلاّ بحدود!
يا قلب دع عنك المُكابرة، والحق بها، فأنت تعرف بأنّها ليست مُجرّد امرأة فحسب، بل إنّها امرأة وحلم وحقبة وعمر! قال، لكنّ قدميه – ولسبب عجز عن تأويله – لم تستجيبا له في يبس..
إلى أين أيتها الحمقاء!؟ عودي إليه.. إلى قلبك، فالعمر انسرب كثيرُهُ على نحو مُخاتل، ولم يبق لك إلاّ التشوّف الجارح ومظلة من الحنين والوجع والحزن والخيبة، ناهيك عن الإخفاق في الإمساك بالزمان الهارب المتأبّي على الاصطياد!؟
ضمّد أحاسيسك في حضنها الدافىء يا رجل، فالقادم لم يعد يُوازي الذي ولّى وانقضى، ضمّد أحاسيسك، إذْ ماذا يساوي عمر من الانتظار المُدوّي والحسرة، الحسرة التي محضتك حزناً رهيفاً
كاشفاً!؟ قال لنفسه هامساً..
اندسّي في عبّه كقطة مُبتلة، فإذا لم يُقيّض لكما أن تتعانقا كجدولين زماناً، فلا تكوني كرماد بارد غادره ناره والسمّار، وخلّفوه للتوزّع، وهلمّي لمُعانفته عناق ذئبة جائعة!
املأ الفجوة بين الانتظار وكهف التدرّن بها، ولا تتحرّج من الاعتذار، وإلاّ فكيف لك أن تشبع ما بك من جوع إليها!؟ جوع صار يُقاس بما خلّفه في الروح من هتك وتلف!
انزعي عنك قناع الكهانة، وتطاولي نحوه كسحابة أو كمزنة أو – حتى – كنقطة ماء تدلف نحو جرن حجريّ، فنقطة الماء وجدت لنفسها طريقاً في الصخر الأصمّ، ولا تستسلمي لخلوّك المُؤلم منه!
ولأنّه لم يعد ثمّة ما يُقال في لجّة المقام تناءت على مهل وانكسار، ولأنّه لم يعد ثمّة ما يُقال وقف في مُنتصف المسافة كحصان أشهب أجرب وعجوز، وعلى نحو ما بدت أكثر انحناءً وهرماً وحزناً، وعلى نحو ما بدا عارياً كشجرة مُستوحشة فاجأها الخريف في مُنتصف المسافة!
الآن ستلتفت.. قال.. ستلتفت قبل أن تبلغ المُنعطف! الآن سيلحق بي.. قالت.. ولن يتركني للوحدة والألم المُبرّح في غيابه! الآن.. قال! الآن.. قالت! وعندما غيّبها المُنعطف ذابلة مقهورة لا تلوي على شيء، تماماً عندما غيبّها المُنعطف خلف زواريبه، استشعر على نحو مُبهم وأكيد أنّ يومه لن يلاقي غدها، فأثقل عليه الشجن، وعلى نحو ما بدا العالم أكثر وحشة، وعلى نحو مفاجئ ترنّح مُتهاوياً، فيما كانت شمس وانية تميل جهات الغروب مُؤسّسة لوداع مؤس!