القائد أوجلان… مبدع فكرة الأمة الديمقراطيّة

0
24

سرفراز شباب –

القائد بالمعنى المتداول هو إنسان تجاوز أبعاد الشخصية الفردانيّة، ليمثل في شخصه قضية فكريّة أو حقوقيّة على مستوى مجتمعه أو أمته، ولكن ثمّة قادة جعلوا من قضاياهم القوميّة منطلقاً إلى آفاق إنسانيّة رحبة، مؤمنين أنّ لا وجود إنسانيّاً يمكن أن يكون على حساب وجود آخر، وأكّدوا خصوصيّة الهوية القوميّة بثقافتها وتاريخها، ومثّلوا جوهر القضية وصوتها فكراً وعملاً، فالالتفاف حولهم لا يعني اختزالاً للقضية في شخصٍ بل إحياءً لها. والقائد عبد الله أوجلان هو مثال لشخصية فكريّة ناضجة بكلّ المعاني.

كانت الحكومة التركيّة تدرك تماماً حجم القضية الفكريّة التي تصدّى لها القائد أوجلان وتعرف المستوى المتقدم الذي وصلته القضية الكرديّة، وتأثيرات ذلك ليس على مصير النظام القائم، لا بل إنّها استشرفت آفاق التغيير الذي يحدث في المستقبل القريبٍ على صعيد المنطقة، لذلك استنفرت كلَّ إمكانياتها السياسيّة لملاحقة القائد، ودقّت جرس الإنذار طالبة الدعم من الدول التي تشاطرها السياسة والمصير نفسه.
هنا تجلت السطحيّة السياسيّة لدى الحكومة التركيّة باعتقادها أنّ المسيرة النضاليّة ستخبو شعلتها وتنكفئ تدريجيّاً بمجرّد أسر القائد. وكانت تركن إلى تاريخ ماضٍ وتجارب ثورات سابقة انتهت بالعنف والقوة العسكريّة، وأخمدت بأسر قادتها ومحاكمتهم صوريّاً.
القضية أنّ حركة PKK قرأت التاريخ ولم تنغلق فيه فعاينت الواقع وعرفت كيف تعيشه، وامتلكت المرونة في استيعاب الأحداث، وتعديل سويات النضال وأساليبه، لتحقق الأهداف التي تتطلع إليها، وكانت مستعدة في كلّ مراحل تاريخها للفداء وبذل الغالي والنفيس، وبذلك لم تتراجع أمام المصاعب والتهديدات التي واجهتها.
كان المطلوب عبر المؤامرة الدوليّة بحق القائد أوجلان تصفيةِ الكردِ وPKK، وأعدّ هذا المخطط الاتحاد الأوروبيُّ وتمّ تنفيذِه بمهارة وسريةٍ تامةٍ وعمقٍ أكبر. وعُقدت على أساسه ولا تزال صفقاتٌ واتفاقات مع تركيا في صورة سايكس بيكو. واليوم ما تزال تركيا تجهد في تعطيل الحلولٍ وإقصاء الكردِ أو PKK، وتعرض تصورات منحرفة أحاديةِ الجانبِ عن حقوقِ الإنسانِ والديمقراطيّة، لتعبر مفاوضات الانضمام للاتحاد الأوروبيّ، والواقع أنّها عجزت عن تصفيةِ PKK وحركةِ الحريّةِ الكرديّة، ولهذا نقلت مشكلتها التاريخيّة عبر الحدود وتدخلت في الشأن السوريّ، ولا غاية إلا إسقاط التعددية الديمقراطيّة المتمثلة بالمشروع الفيدراليّ، وتحرص على إبعاد الكرد عن مفاوضات حلّ الأزمة السوريّة.
كانت البداية بتحليل معنى الثورة والهدف منها، والتطلع إلى إحياء المجتمعِ الأخلاقيّ والسياسيّ والديمقراطيّ، بأرقى مستوى، بعدما تراجع للحد الأدنى في ظلِّ نظام المدنية الذي يتبنى منطق النفعيّة على حساب دمار الإنسان وسحق كرامته، ويقمع الإنسان باسم الحريّة نفسها.

البيئات التي تحقّق الحرية والمساواة هي المجتمعات الأكثر أخلاقيّة وديمقراطيّة

كثيرٌ من الثورات لم تتجاوز شعاراتها الأيديولوجيّة، فبعد العمر المديد للاشتراكية المشيدة، وانهيار الاتحاد السوفييتي أدرك الكثيرون أنّه لا فرقَ حقيقيّ بين الاشتراكيّة الشيوعيّة والليبراليّة الغربيّة، فكلاهما صدّع الرؤوس، وأّنَّ البيئات التي يمكنها أن تحقّق الحرية والمساواة هي المجتمعات الأكثر أخلاقيّة وديمقراطيّة.
فالثورِة في حقيقتها هي إعادة صياغة أخلاقيّة للمجتمع وممارسة المضامين الصحيحة للشعارات المرفوعة، عندها يُحدد المنهاجِ السياسيّ والتَّمَوضع الإستراتيجيّ والتكتيكي وكذلك الخطواتِ العمليةِ السليمةِ. وهذا النوع من الثورات يختلف عن تلك التي تستند إلى منطلقات عقائديّة دينيّة إسلاميةِ أو فكرية اشتراكيّةِ أو قوموية. ذلك لأنَّ كل تلك الأنماط مؤداها بالمحصلة هو الدولةِ القوميةِ، في عالم تهيمن عليه الحداثةِ الرأسماليّة، والتي ما كانت يوماً ولن تكون سبيلاً لحلّ القضايا، بل هي مصدر المشكلات والأزمات التي تعصف بالعالم.
ولا يمكن للثورة أن تبرأ من الاستدراج إلى فخ الحداثة الرأسماليّة إلا بالمضي قدماً في المسار الأخلاقيّ والسياسيّ والديمقراطيّ. ولا انفصال بين النظرية الثوريّة والممارسة العمليّة، ولا اختلاف بين سلوك الثوريّ قبل الثورة وخلالها وبعدها، ومن لا يجسّد الصفات الأخلاقيّة والديمقراطيّة لا يستحق توصيف الثوريّ، وفهم الثورة على أنّها حالة مقاومة ودفاع عن الذات فقط، هو قصورٌ حقيقيّ في فهمها، واجتزاء لمعنى الحياة المجتمعيّة، والتي تتطلب التصدي لبناء المجتمع وتنظيمه، فالحياة ليست حلقات منفصلة مستقلة تماماً، بل هي ذلك الشكل من التكامل الذي يعنى بالتفاصيل كما بالكليات، ومن الأمثلة الثوريّة الرائدة ما قام به زرادشت، موسى، عيسى ومحمد إذ كانوا نماذج واقعيّة تعليميّة لذلك فالنموذج الثوريّ المطلوب لن يُستورد من الخارج، بل هو خلاصة التاريخ ويناسب قيمنا الأخلاقيّة دون رفض قيم العلم الحديث وروح العصر.
بدراسة العوامل الثقافيّة الماديّة والمعنويّة التي شكّلت روافع التغيير في أوروبا وأفضت إلى قيام الدول القوميّة، سنجد انعكاساً للمسيحيّة القائمة على الثالوث المقدّس في المدنيةِ الأوروبيّة، أي التحول إلى التدوّل، والأمر ذاته ينسحب على اليهوديّة والإسلامِ أيضاً. وما اتحادُ الكنائسِ القوميّة مع الإلهِ المُتَدَوّل، إله «الدولةِ القوميّة» الذي أخذ صيغة الهويةِ الاجتماعيّة»، وما لبث أن أصبح منهاجاً اجتماعيّاً سياسيّاً.
المنهج الذي أرسى دعائمه سيدنا إبراهيم وسار على هداه الرسل من بعده، هو الشك بنظام الملوك المتألّهين، إسقاط ألوهيّة الإنسان، الذي لا يسعه تجاوز حدود بشريّته، فهو يملك أن يتسامى في مسار الكمال الإنسانيّ وليس بلوغ المطلق، وعلى هذا الأساس كان لابد من خوض غمار الحروب وإنهاء الهيمنة بزعم الألوهيّة، بالتوازي مع تطور فكر إيديولوجيّ، ما يتطلب تقديم صورة لإله أكثر عقلانيّة وواقعية لكسب المعركة ضد الهيمنة الميثولوجيّة والأيديولوجيّة الدينيّة للمدنيّة المركزيّة. وإذا كان الرسل قادة هذه الحروب فإنّ أنصارهم كانوا الطبقةُ الوسطى والتجّار، بينما كانت الأرستقراطيّة القَبَليّة الدرجة الأعلى في الهرم الطبقيّ، فيما كان المستضعفون والأكثر فقراً (البروليتاريا) يمثلون قاعدة الهرم يعيشون على هامش الحياة.

التركياتيّة البيضاء منذ 1925 تعارض الديمقراطيّة
والحقوق الثقافيّة للمكونات الوطنيّة وأولها الكرد

صحيح أنّ PKK انطلق من حالة الالتزامِ بنهجِ الاشتراكيّةِ العلميّة للماركسيّة، لدى تأسيسه. ولكنه لم يكن ليستمر كياناً ملتزماً تماماً بالاشتراكيّةِ المشيدةِ في فترةِ ولادتِه، رغمِ تأثُّرِه بها بنسبةٍ عالية، وكان المطلوب صياغةِ تفسيرٍ ماديّ من أجلِ إنشاءِ PKK، استناداً لمبدأ التمييزِ بين الذاتِ والموضوع، والذي تأخذ به الاشتراكيّةِ المشيدة أيضاً. فالظواهر الاجتماعيّة في كردستان كانت تشبه الطبقةِ العاملةِ. بمقابل حضور واضحٍ للبرجوازية، وبقراءة هذا الواقع كان المنطلق بشكلٍ مبدئيّ، على ألا تكون تلك القراءة نهائيّة، بمعنى عدم الانغلاق في الدوغمائيّة، ومسايرة التغير الطبيعيّ للحياة، وهذا ما جعل PKK حركة مميزة، وكان الانفتاح على الفلسفة النسبيّة سلاحاً وقائيّاً حال دون الوقوع في شرك المطلق، ما أفسح المجال لتفسير الحقيقة، وامتلاك الحريّة باتخاذ الموقف الملائم في أحلك الظروف وأصعبها، وبذلك تمّ السير بخطا حثيثة في الثورة الفكريّة، ولكن بالتوازي مع الإنجاز في الميدان، والتقييم بأنّ PKK حقّق حالة الإنجاز التاريخيّ يأخذ بعين الاعتبار الظروفِ الدوليّة ومقوِّماتِ الثقافة الماديّة التي استندَ إليها في مطلعِ السبعينيات، ومستويات الوعي والتنظيم والممارسةِ الأوليّة والثقافة المعنويّة التي اتَّخذَها أساساً له في تلك الفترة. إذ لا يمكن لأيّة حركةٍ فكريّةٍ التطور بشكلٍ مستقلٍّ عن الأشكال الماديّة التي يعيش الإنسان ضمنها. المهمُّ هنا هو الأشكال المادية التي يعكسها الفكر. وعندما يكون الواقع الاجتماعيُّ موضوع الحديث، فبإمكانِنا القول أنّ الأشكالَ الماديّة بذاتِ نفسِها تصبح الحالةَ المشادةَ والمتأسسةَ للصياغاتِ الفكريّة.
فالنظام المهيمن في عالم السبعينيات، هو الحداثة الرأسماليّة. وصعود هذا النظامِ المتمركزِ حول أوروبا الغربيّة، واكتسابه طابعَ الهيمنة هو ثمرة خمسة القرونِ الأخيرة، إذ أطاح بالإرث الثوريّ العريق في فرنسا وروسيا، وتركيا لم تتخلف عن ركاب الحداثة الرأسماليّة، وبالتالي تشاركها أزماتها باعتبارها دولة قوميّة، وجاء انقلابا 12 آذار 1971 و12 أيلول 1980 محاولة لحماية النظام وقطع الطريق على الحركات الثورية، فيما واصلت التركياتيّة البيضاء نهجها الذي بدأته 1925 فتعارض بلا هوادة أيّ محاولة ديمقراطيّة ومعارضة الحقوق الثقافيّة للمكونات الوطنيّة وأولها الكرد، ولا تدخر في سبيل ذلك جهداً أو وسيلة عبر الجيش وشبكة الغلاديو وتتلقى الدعم والتأييد من قوى الهيمنة العالميّة، وانحصرت رؤى التغيير إما بفتح القنوات الاقتصاديّة مع الدول الأوروبيّة، أو باللجوء للأيديولوجيا القومويّة الإسلاميّة، وقد أُريد عبر الانقلاب العسكري الذي قاده كنعان إيفرين استهداف كل الحركات الثوريّة بالمنطقة وترسيخ نظام العسكرتاريا، فيما تتماهى الأحزاب في اللعبة السياسيّة ويغيب دورها المعارض والمؤثر بالحياة السياسيّة.
التجربة الشيوعيّة التي قادها جوزيف ستالين في القضيةِ الوطنيّة انتهت إلى بناء الدولة وتبنّي النظام الاشتراكيّ. ما ألقى بظلاله على جميعِ الحركاتِ التحرريّةِ الوطنيّة. ولم يبتعد لينين عن هذا التوجّه، وجعل بناءِ الدولةِ حقَّ الشعوبِ بتقريرِ مصيرِها، كان باعثاً أولياً لوقوعِ كلِّ الأحزابِ الشيوعيّة والاشتراكيّة في بحرٍ من الغموضِ الأيديولوجيّ. ولا ينكر أن هذا النموذج اتّخذَه PKK أساساً لحلِّ القضيةِ الكرديةِ لدى انطلاقته، «أي إنّ بناءَ دولةٍ منفردةٍ بذاتِها غدا مبدأً اشتراكيّاً مقدّساً ومسَلَّماً به». وأصبح الاتحاد السوفييتيّ نصير الشعوب والأممِ المستضعفة والمستعمرة في بناءِ الدولة.

وقوف القائد على أطلال أورفا كانت أقرب لحالة سيدنا إبراهيم الخليل

بالتوازي مع المقاربة التي أطلقها الرئيس الأمريكيّ ويلسون بحق الشعوب بتقرير مصيرها، وبسبب اختلاف المنطلقات بين الرؤيتين ترسخ التنافس بين القوتين العظميين فيما سمّي الحرب الباردة، وعلى هذا الأساس استمر انقسام العالم، ومساندتهما لحركات المقاومةِ القوميّةِ في العالم. وقد يدعم أحدهما النظام القائم فيما الآخر يدعم قوى المعارضة والثورة، وبذلك فإنّ تركيا وأفغانستان مثالان مختلفان تماماً، وكذلك مجريات الحرب السوريّة.
رحلة القائد أوجلان منتصفَ عام 1979 عبر الحدود، ووقوفه على أطلال أورفا والانتظار فيها، كانت أقرب لحالة سيدنا إبراهيم الخليل، الذي حطَّم أصنام المدنيّة والحداثة في عصره، آنذاك. إذ لا اختلاف بين دولة النماردة والدولة التي شيدها أتاتورك، إلا بالتاريخ وحسب، أما المضمون فواحد. وفي كلتا الحالتين ثورة على الوثنيّة، ويصف القائد ذلك بالقول: «إنّ تنفيذَ العملِ من خلالِ كافةِ الوسائلِ الذهنيّةِ والفيزيائيّةِ للحداثة، أخطر بكثير من ائتمانِ آلهةِ العصورِ الأولى على مصيرِك» ويمضي في رحلته يحدوه إيمانٌ عميق في بثِّ روحِ الإيمانِ مجدَّداً في وطنٍ عاثَ فيه النماردة وسوَّوه بالأرضِ مدى آلافِ السنين. والقضية هي أنّ «شعباً بلِغَ به عتبةَ الإنكارِ والإبادةِ والفناء. لقد كان هذا الشعب يرزح تحت نيرِ إبادةٍ وإنكارٍ ثقيلَي الوطأة، لدرجةِ أنه لَم يتبقَّ لديه أوثانٌ يعبدها. وحتى الأوثان المحَطَّمة كانت حطاماً من أوثانِ الحداثةِ لا غير».
من المهم جداً بعد تشخيص المعضلة إيجاد الحل الناجع والسؤال ما السبيل لتجنب الوقوعِ في مصيدةِ الحياةِ الليبراليّة؟ يجيب القائد أوجلان «ما لَم تتحققْ التعبئة الكلّيّاتية المتكاملة للانطلاقاتِ والشخصياتِ والتنظيماتِ الثورية، وما لَم تعقَدْ العلاقة مع الثقافةِ التاريخيّةِ الاجتماعية، ومع الحالاتِ الراهنة التي تمَثِّل تلك الثقافة؛ وما لَم ينجَزْ التحصُّن بتلك الحالات. ذلك أنّ الحداثةَ الرأسماليّة تتغلب على منافسيها وتَهزمهم بالأسلحةِ الأيديولوجيّةِ والنظريّةِ التي تحتويها الحياة الليبرالية بين ظَهرانَيها. هكذا يسود الاعتقاد بأنّ الفردَ الليبراليَّ حرٌّ للغاية، أو أنّ الحياةَ الليبراليةَ طبيعيةٌ للغاية. بَيْدَ أنّ هكذا حياة أحادية البعدِ وأكثر دوغمائيةً من أشدِّ الأديانِ صرامةً وتزمُّتاً. ولَئِنْ كانت انطلاقة PKKلَم تعانِ تماماً من الشذوذِ والانحراف، ولَم تَمرّ بسياقِ تصفيةٍ كاملةٍ مثلما كانت حال أمثلةِ الاشتراكيّةِ المشيدةِ الأخرى المشابهة، ولَم يقضَ عليها كلياً؛ فإنّ الباعثَ الأوليَّ وراء ذلك يكمن في بقائِها ملتزمةً بالحقيقةِ الاجتماعيةِ بمنوالٍ متكامل، وفي مقدرتِها على اتِّباعِ التكاملِ عينِه في لَحمِ خطاها النظريّةِ والعمليّةِ المحتويةِ على التحديثِ ببعضِها بعضاً. وفي المحصلة، فقد أسفرَ هذا النمط من الانطلاقةِ والمسيرةِ عن تطوُّرِ وتنامي مقَوِّماتِ العصرانيّة الديمقراطيّة البديلةِ في وجهِ عناصرِ الحداثةِ الرأسماليّة».
خيار الحرب بالنسبةPKK لم يكن اعتباطيّاً، وما كان ليُتخذ لو أنّ الوعودَ الأيديولوجيةَ تكفيَ لضمان حياةٍ حرّة. لذلك كان انتقال PKK للقتال وتفعيله مرحلةً اضطراريةً لا مناص منها، ولم يكن السبيل متاحاً لنيل الهوية الذاتيّة في تلك المرحلة ناهيك عن اكتسابِ الحياةِ الحرة.
العلاقة بين الهويةِ والحرية كانت القضية الفلسفية الأوليّة، والمشكلة الأساسيّة، وهل يمكنِ للهويةِ أنْ تعاشَ بدون حرية؟ وهل الحرية بمعناها الفرديِّ ممكنةً من دونِ هويةٍ اجتماعيّة؟ القضية هي مدى العلاقةِ بين الممارسةِ والحرية، وبعبارة أخرى، بين الإرادةِ والحرية. فالقمعِ والاستغلالِ بحق الهويةِ الكرديّة، لم يُمارس بحق أية هوية أخرى، وتاريخ الإبادةِ الثقافيةِ الممتدةَ موغل في القدم، ويغطي تفاصيل الحياة الاجتماعية، وما دام الإنكار مستمراً فلا حديث حول الوجود أو الهوية.

رغمِ العزلة استطاع القائد تشخيص مشاكل المنطقة وحقّق تحولاً فكريّاً وأخلاقيّاً

فدولة الحداثة القوميةِ القائمة تقود الناس بعصا واحدة، وتخضعهم للعبودية، وتستهلك الوجود والهوية الكرديّة، وتمارس الإبادة الثقافيّة والتذويب، بالتوازي مع الإبادة الوجوديّة والتطهيرِ العرقيِّ الجماعيّ وقد سخر لذلك الجيش، البوليس، الكونتر كريلا، الميليشيات الفاشية المدنية، المرتزقة، والميليشيات العميلة. والمسألة تتجاوز الفساد الإداري والاستغلال الاقتصاديّ وتتصل بالوجود التاريخيَّ الاجتماعيَّ والهويةَ الذاتيةَ، وهي حاضر ومستقبل، ولابد من ضمان الوجود ثم السعي للحرية. ومقابل ذلك لا تغيّر النوايا الحسنة الأمر مهما كانت صادقةً وطيبةَ، ولن تتجاوز حديث الأمنيات، وبعضها محبط مخيب للآمال، وثرثرةِ لا نفع فيها. لذلك فإنّ إستراتيجيّة حربِ التحريرِ الوطنيّة المضادةِ للاستعمار، والتي تمّ تبنيها في البداية اشتملت على حقائق هامة، وكان صدى أوسع بتجاوز الحدود الدوليّة، وعلى ساحة الشرق الأوسط.
ولأولِ مرةٍ في تاريخِ كردستان المعاصر يلبّى أحد المتطلباتِ الإستراتيجيّة للحربِ الشعبيةِ الثورية. وقطع الطريق على الإملاءات والتنازلات. وتهيأت الظروف على صعيدِ تصعيدِ الحربِ الشعبية، بعقدِ العلاقاتِ الإستراتيجيّة، وتأمينِ وتغطيةِ الدعمِ التكتيكيِّ في حقلِ التدريبِ والاحتياجاتِ اللوجستيّةِ بوجهٍ خاص.
واعتباراً من 1987 وحتى 9 /10/1998 يوم خروجه من سوريا كان القائد قد أعدّ بنفسه الحملاتِ المضنيةِ والمتواليةِ دون انقطاع، وبتفعيلِها على أرضِ الواقعِ بدأبٍ مذهل، وسعى لإفراغِ الانتهازيّةِ المفروضة من مضمونِها.
يؤكّد القائد أوجلان أن الوعيَ التاريخيَّ والاجتماعيَّ الصحيح، كفيل بتطويرِ صداقاتٍ قَيِّمةٍ وعقدِ اتفاقاتٍ ذاتِ اعتبار، ليس بين القوى الديمقراطيّة والاشتراكيّةِ الكرديّةِ والتركيّةِ وحسب، بل بين القوى الشعبيّةِ الاجتماعيّةِ قاطبة. ومن دونِ صياغةِ تعريفٍ سليمٍ للعلاقاتِ المتبادَلةِ القائمةِ بين الثقافاتِ على مرِّ التاريخ، فمن الصعوبةِ بمكانٍ تطوير علاقاتٍ واتفاقاتٍ عادلةٍ ومتساويةٍ وحرةٍ في راهنِنا، أو سنُّ دستورٍ ديمقراطيٍّ بوصفِه تعبيراً ملموساً عن تلك العلاقاتِ والتحالفات. وذلك رهن تخلي الحداثة التركيّة عن الذهنيّةِ الفاشيةِ الأحاديّةِ الطابع، والمتنكرة للتاريخِ التركيِّ بقدرِ إنكارِها لوجودِ القِيَمِ الثقافيةِ الأخرى، وأن تَقبَلَ ببنيّة المجتمعِ ذاتِ التعدديّة الثقافيّة، وبتاريخِه الغنيِّ والوفير.
أما القوى الاجتماعيّة التي تتقاطع مصالحها في العيشِ سويةً بصداقةٍ وودٍّ وتآخٍ ضمن نفسِ الحدودِ السياسيّةِ، فإنّ احترامَها المتبادَلَ لوقائعِها التاريخيّة والاجتماعيّة، واعترافَها ببعضِها بعضاً على أساسِ المساواةِ والحرية، سيَغدو أرضيّةً متينةً للصداقةِ والتحالفاتِ الطويلةِ الأمدِ والتي لا تتزعزع، بقدرِ ما يعَدُّ أساساً لاتحادِ قواها وممارساتِها المرحليّة، ويشَكِّل صلبَ تشييدِها يداً بِيَد صرحَ نظامٍ دستوريٍّ ديمقراطيّ.
رغمِ كلِّ محاولات العزلة المفروضة والضغوط، إلا أنّ القائد استطاع تشخيص مشاكل المنطقة وحقّق تحولاً فكريّاً مبدعاً وأخلاقيّاً، بطرح العصرانيّةِ الديمقراطيّة، والدمقرطةِ الثوريّةِ في الشرقِ الأوسط في مواجهة الحداثةِ الرأسماليّة.