الاغتراب الجمالي-6 ما بين الوجوديين والنفسيين

0
89

صلاح الدين مسلم –

ظلّ الاغتراب هاجس علماء الفلسفة والنفس، وقد ظهرت الوجوديّة كفلسفة …..، وموضوع علم الجمال والوجودية موضوع وثيق إذ يرى الوجوديّ أنّه غريب، فالوجود بالنسبة للوجوديين يدلّ على ما أنا عليه بصورة أساسية في خطر ذاتي، إذ أنّ الإنسان عند الوجوديّ باحثٌ عن حقيقة وجوده، وهو في تنقيب دؤوب عن معرفة ذاته، وكلّما تعمّقت تلك المعرفة وتقعّرت انفصل فيه الإنسان عن العالم وعن الواقع، لدرجة يصل فيها إلى اعتقاد راسخ مفاده أنّه لا ينتمي إلى هذا الواقع وبالتالي تترسخ اللانتمائيّة، والاغتراب والقلق، إذاً فالاغتراب عند الوجوديّ هو القلق إذ أنّه يعيش وجودين؛ وجود معرفيّ يخص به نفسه وفرديته ووجود إنكاريّ للواقع الذي لا يستطيع تغييره وفق فردانيته، وبالتالي يرى نفسه نخباً متعالياً عن المجتمع، فالمجتمع متخلٍّ بالضرورة لديه وهو العليم الخبير الذي لا يستطيع هذا المجتمع فهمه، وبالتالي يعتبر أنّ مجتمعه هو نفسه وعالمه الخاص يتوافق ويتكامل ويتناغم مع وجود معيّن إلى حال توتّر وتنافر مع الوجود إذ يربط كير كيجارد (1813-1955م) القلقَ بحرية الإنسان ووضعه بثلاث طرق الأولى: هي الانتقال من البراءة إلى الخطيئة فعدم الاتزان والاضطراب يعكس صفوة السعادة , والثانية ربطها بالحرية أو كما يسميها (دوار الحرية) لأنها تقع ضمن منطقة الإمكان وتحركت ضمن محمولات الحرية , والثالثة ارتبطت بتكوين الفرد باعتباره نفساً وجسداً تربطها الروح فهذا التكوين بحد ذاته يولد قلقاَ وتوتراً للإنسان.
هذا بالنسبة للوجوديّ أمّا بالنسبة فيعتبر عالم اللاشعور مجالاً لتفريغ الدوافع المكبوتة التي يخزّنها في مستودع لا يستطيع الإنسان إظهاره لأنّه لا يوجد توافق ما بين الأنا (الرغبات) والأنا الأعلى (المجتمع وعاداته وتقاليده التي تمنع الرغبات من الظهور) فهو بذلك مغترب عن أناه (ذاته) التي تريد شيئاً والمجتمع والقوانين والأعراف تريد شيئاً آخر.
وهاتان النظريتان كانتا الممهدّتَين للخروج من أسر المجتمع كما يظنّه الوجوديون والنفسانيون، وصارت الحرّيّة الفرديّة شعار القرن التاسع عشر والقرن العشرين إلى أن وصلت الحداثة الفنّية إلى قبح فظيع لا مثيل له في تاريخ المجتمع، فهذا الفنّ الرديء وهذه الإثارة للشهوات في هذا الفنّ الاستهلاكيّ بات عنوان النصف الثاني للقرن العشرين إلى الآن في الغرب، وعنوان القرن الحادي والعشرين في الشرق.
لقد وجد فرويد؛ مؤسس علم النفس التحليلي أنّ الاغتراب سمة متأصلة في الذات وفي حياة الإنسان إذ لا يمكن تجاوز الاغتراب بين (الأنا) و (الهو) و (الأنا العليا) ولا مجال لإشباع الدوافع الغريزية , كما يستحيل التوفيق بينها، فيما يتصل بالأهداف والمطالب بين بعض الدوافع الأولية وبعضها الآخر وأنّ الإنسان بفطرته ضد المجتمع، وأنّ وظيفة المجتمع هي قمع الدوافع الغريزية عن طريق تحويل الدافع الجنسي إلى أهداف رمزية تظهر عن طريق (التسامي).
فإمّا أن يندفع وراء غرائزه وهنا تكمن الحرّيّة عند فرويد، وإمّا أن يرضخ للمجتمع وهنا تكمن العبودية، وهكذا فقد المجتمع وظيفته الإنسانيّة وبات قامعاً للحرّيات عند فرويد وعند مريديه (المجتمع الحرّ الفرديّ).