لأدب الأطفال تأثيرٌ كبير على أفكارهم وأخلاقهم وسلوكهم»

0
72

حوار/ عبد الرحمن محمد –

الأديب عبد المجيد قاسم، هادئ الطبع، وعلى محياه ابتسامة تكاد لا تختفي أبداً رغم ما يحمله من معاناة، مسالم ودود بشوش؛ ربما لقربه الدائم من الأطفال والكتابة في مجال أساليب وطرائق التربية وسيكولوجيا الأطفال، نشر في العديد من الصحف العربية والمحلية، وفي صحيفة روناهي، ورغبة في التعرف عليه أكثر وعلى مساهماته وأعماله فيما يخص أمل المستقبل الواعد كان لنا معه هذا الحوار:

بداية لو تعرِّفون بنفسكم أكثر، كأديب وباحث، وكإنسان قبل ذلك؟
أنا من مواليد قرية (تل خنزير) التابعة لناحية عامودا، عام 1973م حاصل على أهلية التعليم الابتدائي عام 1996م وفي وقت لاحق، الإجازة في التربية- جامعة الفرات. أعملُ فـي التدريس. صدر لي مجموعة شعرية عام 2003م ولديّ العديد من المخطوطات الشعرية.
ولي دراسات وأبحاث تربويّة ونفسيّة متخصّصة في أدب الأطفال وثقافتهم. وقد عملت في بعض مجلات الأطفال العربية، وقدّمت العديد من المحاضرات التربوية والأدبية. وأنشر الآن في عدد من الصحف والدوّريات والمواقع الإلكترونية الثقافية العربيّة والكرديّة.
لماذا اخترتم الأدب، والكتابة للأطفال بشكل خاص؟
أعتقد أن الخيار في الكتابة الأدبية لا يكون للكاتب بصورة صرفة، فقد يستهويه أحد فروع الكتابة في أحايين كثيرة، تماماً كما استهواه الشعر ذات مرة. أما بالنسبة لسؤالكم حول الكتابة للأطفال، فأنا لم أكتب لهم إلا بضع نتاجات شعرية ونثرية، إلا أن المجال الذي استأثر بجلّ وقتي في الكتابة، هو مجال الدراسات حول أدب الأطفال وثقافتهم، حتى أنني تخصَّصت فيه إلى حدٍّ كبير.
نسمع بأدب الاطفال، ما خصوصية هذا الأدب؟ وهل من شروط للكتابة للطفل؟
أدب الأطفال هو نوعٌ أدبي حديث نسبياً، يتوجّه إلى جمهور الأطفال، يهتمّ بميولهم واحتياجاتهم، ويراعي خصائصهم وقدراتهم، وطبيعة نموهم من الجوانب العقلية والانفعالية واللغوية. ويهدف عموماً إلى إعداد الطفل إعداداً جيداً، وتنمية مكوِّناتهم الشخصيته وقدراتهم بصورة متوازنة، وهذه هي خصوصية هذا النوع من الأدب. أما عن شروط الكتابة للطفل، فهي كثيرة ومترابطة، منها ما يتعلّق بالمادّة الأدبية، ومنها ما يتعلّق بالكاتب نفسه، والتي أذكر منها: أن يكون صـاحب موهبة إبداعية، وملماً بقواعد الكتابة الأدبية السليمة، وأن يكون على دراية كافية بالأهداف التربوية، والمعايير النفسية والفنية للكتابة في هذا المجال، والأهم من ذلك أن يكون حرّاً في آرائه، مؤمناً بالكتابة كرسالة إنسانية وتربوية.

إلى أي مدى يمكن لأدب الأطفال أن يساهم في تربية الطفل والتأثير على سلوكه؟
لم يعد خافياً أهمية هذا الفنّ الأدبي في تربية الأطفال تربية سليمة، وتأثيره الكبير على أفكارهم وأخلاقهم وسلوكهم، وذلك عبر مجموعة من الأهداف التي يسعى لتحقيقها، والتي تشتمل على مجالات عدة، منها التربوية والنفسية والاجتماعية والجمالية.
عند الكتابة للطفل ماهي المعايير والشروط التي يجب السير وفقها؟
أعتقد أنك تقصد بسؤالك خصائص الأدب الموجَّه للأطفال.. تختلف طبيعة أدب الأطفال عن أدب الكبار، وتتفرّد عنه بخصائص عدة، مثل اختلاف موضوعاته وأساليبه ولغته، كما يخضعُ لضوابط عدّة، تشكّل خصائصه الأساسية، والتي تتمحور حول: الفكرة والمحتوي، الأسلوب واللغة، الحبكة والشخصيات، والنواحي الفنية، ولكلٍّ منها شروطها الخاصة.
ماهي أبرز الوسائل التي يمكن من خلالها الوصول إلى الطفل والتأثير عليه، إذا قارنا بين الرسم والكتابة والتلفاز والراديو، أي بين الوسائل التربوية والإعلامية المتاحة؟
الطفل كائن في طور التكوين، من أهمّ خصائصه السيكولوجية، أنه: فضولي، محبٌّ للاستكشاف والاستقصاء، مسكون بهواجس التخيّل، متشوّق لارتياد المجهول، ميّال إلى الأشياء المبهرة. كما يمتاز بأنه مُولع بالصورة واللون واللحن، إذاً فهو يميل إلى كل الفنون ووسائل الإعلام التي ذكرتها، لكني أرى أن التلفاز هو من أكثر الوسائل جذباً له، إلى جانب الكتاب والمجلة، وذلك لأن التلفاز يجمع بين المادّة المسموعة والمرئية والمقروءة، وما يحمله هذا الجمع من الموسيقا واللون والحركة المتواترة.
الأطفال هم الشريحة الأكثر تضرراً من الحروب والأزمات، كيف يمكن للأدباء والمفكرين مواجهة هذه الظروف، ورفع هذا الغبن عنهم ودعمهم؟.
عندما كنا نكتب عن عالم الطفولة، واهتمامات الأطفال ومشاغلهم، ونبحث في مجال ثقافتهم وأدبهم وفنونهم، إنما كنا نهدف للارتقاء بقدراتهم، وتنمية إحساسهم بالعالم من حولهم.. لم نكن نعلم أنه سيأتي يوم نشعر فيه بالخجل إذا استمرت أقلامنا في الكتابة هكذا.. إذ أصبحت مشكلاتهم أكثر عمقاً واتسعت الهوة التي تفصلنا عنهم. لقد أصبحت غايتنا كمربيين وآباء مجرد الحفاظ على حياتهم، مستبدلين كلّ ما خططنا له مقابل هذه الغاية. لم يعد مهماً ممارسة نشاط فنّي أو رياضي أو ثقافي، وأصبح الشغل الشاغل تأمين الخبز وكأس الحليب، وشمعة يشعرون على ضوئها بقليل من الطمأنينة، باختصار أصبحنا نبحث في مفردات إنسانيتهم.
وفي مثل هذه الظروف بالذات يجب عدم إغفال الطفل، وتركه تحت رحمة الظروف القاسية، بل يجب الاهتمام به أكثر، ومراعاة ما يقدّم له من طرائق وأساليب ووسائل تثقيفية، وأن نمارس الحيوية الثقافية كمنهج أثناء تعاملنا معه، ونعمل على تفجير طاقاته الكامنة في جميع المجالات؛ لأن الطفل هو السلاح الأهم الذي تستطيع به المجتمعات مواجهة المستقبل.
ككاتب ذي تجربة في مجالي الثقافة والإعلام، كيف تنظرون إلى الواقع الثقافي والإعلامي على المستوى المحلّي؟
إن الواقع الثقافي والإعلامي المحلّي، هو واقعٌ متخلّف للأسف، يحتاج إلى الكثير من العمل الجاد، حيث لا يوجد نوع من التخصّص في الكوادر العملية بمجالات الإعلام والثقافة الطفلية، ولا استغلال جيد لوسائطها التي تطوّرت بشكل مذهل.
كيف تنظرون الى أدب الطفل بشكل خاص؟
يشير واقع المنطقة في هذا المجال عموماً إلى ضعف كبير في النتاج كماً ونوعاً، إذ أن الكثير من التجارب المنجزة يبتعد قليلاً أو كثيراً من الخصائص الأساسية لأدب الطفولة واعتباراته التربوية والنفسية، على الرغم من تقديمها لخبرات فكرية وعاطفية واجتماعية جديدة، ولم تخرج هذه التجارب عن إطار المحاولة والتجريب بشكل عام. أما الأساليب فكانت -غالباً- جافَّة ومقيِّدة لأخيلة الأطفال، وترزح تحت وطأة الإنشائية. ناهيك عن تقليدية الاتجاهات الفنية في الأعمال المقدَّمة والنادرة أصلاً.
هل من صعوبات أو مشكلات يمكن تشخيصها بشكل محدّد خلال عملكم؟
نعم، هناك مشكلات عدّة، ويمكنني أن أذكر مثالاً عليها، يتعلّق بعدم تجديد ترخيص العمل لمركز (ميتان للثقافة) من قِبل الجهات المختصّة لأسباب غير واضحة، علماً أن هذا المركز ظلَّ يقدِّم خلال أعوام ثلاثة خدماته الثقافية لجميع شرائح المجتمع، وبخاصة شريحة الأطفال، حيث حرم المئات منهم من الركن الخاص بهم، ضمن مكتبة عامة أنشأها المركز، تضمُّ أكثر من 5000 كتاب ثقافي منوّع، ناهيك عن توقّف العديد من المشاريع التي كانت تستهدفهم، كمشروع (القراءة لأطفالنا) الذي تمّ إقراره نتيجة قلة إدراك قيمة القراءة في مجتمعنا، وحاجة الأطفال الماسَّة إليها، وتدني نسبة الاهتمام بوسائطها كالكتاب والصحيفة. ولندرة المساحات التي تتيح لهم القراءة، وافتقاد الكثير من الأهالي إلى معرفة أبسط المعايير والأسس في اختيار طبيعة قراءاتهم، خاصة في ظروف الحرب التي يمرُّ بها بلدنا سوريا.

لكم تجربة جيدة في مجال أدب الطفل وإعلامه، كيف يمكن بنظركم تطوير أساليب التربية والثقافة الموجهة للطفل في منطقتنا؟
من التوصيات التي من شأنها توجيه العمل في هذا المجال:
– العناية الجادّة بأشكال تثقيف الأطفال، والإرادة الواعية لاعتمادها منهجاً أساسياً في عملها، والتوجّه المدروس إليها، وتنميتها بالوسائل المتاحة.
– تشجيع العمل في مضمار أدب الأطفال: تأليفاً وترجمةً وإعداداً، وتنمية الوعي لأهميته بين الكتّاب والأدباء، والالتزام بالمعايير الأساسية لهذا النوع من الكتابة.
– تشجيع الأدباء والكتّاب والرسّامين وغيرهم، وتوفير الحوافز -معنوية ومادّية- التي تحثُّهم على العمل في مجاله، وإقامة المسابقات والأسابيع الثقافية، وتخصيص جوائز لأفضل النتاجات.
– تشجيع الدراسات والأبحاث النقدية الجادّة، التي تشتغل وفقاً للمعايير التربوية والنفسية والفنية الحديثة لأدب الأطفال.
– الاهتمام بصحافة الأطفال، ودراستها بشكل علميّ، والعمل على إصدار أكثر من مجلة للأطفال، وتخصيص مساحات صحافية في الدوريـات بإشراف تربويين متخصّصين.
– دعم الإصدارات في حقل أدب الأطفال، وتشجيع الدوريات الثقافية لإصدار أعداد خاصة تتناول أدب الطفولة.