إن ما يميز ثورة روج آفا عن الثورات الأخرى هو الاختلاف في الفكر والذهنية والإدارة الذاتية التي تعمل منذ تأسيسها على تلبية احتياجات ومستلزمات المواطن، والدفاع عن الأرض وصون حقوق المجتمع قدر المستطاع بالإمكانات الذاتية المتوفرة. ونظراً لدخول الثورة عامها السادس أردنا أن نسلط الضوء على إنجازات هذه الثورة في المجالات الخدمية والبيئية والاقتصادية.

اتبع النظام البعثي سياسات عدة بخصوص إنشاء المعامل والمصانع في روج آفا، فلم يكن يسمح بترخيص المعامل نهائياً إلا بما يتماشى مع مصالحه مع وجود نسبته فيها، ما جعل مناطق روج آفا تعتمد على استيراد المواد الصناعية من الداخل السوري كـ (حلب ودمشق) أو من الخارج، الأمر الذي كان يسبب غلاء في الأسعار وارتفاع نسبة البطالة والهجرة الداخلية والخارجية بحثاً عن لقمة العيش. كل تلك السياسات كانت تمارس بطرق مدروسة للنيل من إرادة الشعب في روج آفا وممارسة سياسة التبعية فيها.

تدهور الوضع الاقتصادي في عموم سوريا بسبب المنحى الذي اتجهت إليه الثورة السورية والهجمات الخارجية عليها وسياسة القمع التي اتبعها النظام على الشعب السوري، وهجمات مرتزقة داعش على جميع مفاصل الحياة، واستغلال بعض الجهات التي تسترت خلف ستار الثورة وأيضاً الفراغ الأمني وزيادة حالات السرقة ونهب خيرات البلاد. وقد عانى الشعب السوري في المناطق التي شهدت اشتباكات أدت إلى انهيار الوضع الاقتصادي فيها، وبالتالي تأزم وتردي الأوضاع المعيشية وانتشار المجاعة والأمراض ونزوح مئات الآلاف من المواطنين إلى المناطق الآمنة في روج آفا التي استطاعت السيطرة على الوضع بجهود أبنائها والمحافظة على أمان المنطقة ورد هجمات المرتزقة. وبعد الإعلان عن الإدارة الذاتية الديمقراطية في عام 2014م عملت على تنظيم المؤسسات والمجالس المحلية والهيئات، وصبت جلَّ اهتمامها على الوضع الاقتصادي في المنطقة، وكان من مهام هيئة الاقتصاد دعم المشاريع الزراعية والصناعية والتجارية في عموم روج آفا، محاولة بذلك الوصول إلى الاكتفاء الذاتي والحد من الاحتكار والاستغلال والبطالة وتفعيل أكبر عدد ممكن من الأيدي العاملة نساءً ورجالاً.

اقتصاد المرأة.. اقتصاد كومينالي

كان للمرأة دورٌ كبيرٌ وفاعلٌ في ثورة روج آفا؛ إذ استطاعت إثبات قدراتها على العمل في المجالات كافة اجتماعياً، سياسياً، اقتصادياً وعسكرياً، وسعت للعودة بالاقتصاد إلى طبيعته الكومينالية وتحقيق الفائدة للمجتمع ونبذ الاحتكار والجشع والربح الأعظمي. وقام مؤتمر ستار بافتتاح مركز اقتصاد خاص بالمرأة؛ للوقوف على المشاريع الاقتصادية والكوبراتيفات والعمل على تنظيم مشاريع زراعية وصناعية وتجارية وكوبراتيفات نسائية. ونجح المركز باحتواء عدد كبير من النساء وتشغيلهنّ في تلك المشاريع، كما قام المركز بمساعدة عدد كبير من النساء للحصول على عمل لمساعدة عوائلهن في تأمين معيشة كريمة دون الحاجة لأحد، وساهمت أعداد كبيرة من النساء بمبالغ صغيرة كلٌ حسب قدرتها في تلك الكوبراتيفات والمشاريع؛ ليستفدن من الأرباح التي ستعود على المشروع لاحقاً. وافتتحت عضوات مؤتمر ستار مصنعاً للألبان والأجبان في مدينة قامشلو بعد نجاحه في منطقة ديريك، وعليه تم التحضير للمشروع والبدء به في حي العنترية بقامشلو.

 

الثروة الحيوانية.. جزء هام من الاقتصاد

 

تأتي الثروة الحيوانية من حيث أهميتها في الدرجة الثانية بعد الزراعة في مقاطعة الجزيرة؛ لما لها من تأثير إيجابي على الواقع الاقتصادي والمعيشي للمواطنين، ولا سيما خلال الأزمة التي تمر بها المنطقة بشكل عام. ويعمل عدد كبير من أهالي الريف بتربية المواشي على اختلاف أنواعها من أغنام وماعز وأبقار، ويمكننا القول: إنَّ تربية المواشي جزءٌ من تراثنا الشعبي الذي يتميز به واقعنا على مدى التاريخ. وامتهن مجتمعنا منذ عقود فيه واختبر أبناؤها في أصول تربيتها وتسمينها، ولا تزال تربية المواشي العصب الأساس الذي تعتمد عليه مناطقنا للنهوض بالاقتصاد.

وخلال السنوات الخمس الماضية برزت رؤوس أموال ضخمة أدخلت النقد الأجنبي إلى منطقتنا من نتاج الثروة الحيوانية؛ الأمر الذي ساهم في تنشيط الحركة الاقتصادية في المقاطعة بشكل كبير وكان الإنتاج الحيواني منافساً قوياً لأي قطاع اقتصادي آخر. وتلعب الثروة الحيوانية دوراً هاماً في تأمين المواد الأولية لعدد من المواد الإنتاجية التي تشتهر بها مناطقنا مثل: الجلود والصوف والحليب والزبدة والسمنة وغيرها من المنتجات الحيوانية.

 

غرفة التجارة والصناعة

 

أسست مؤسسات المجتمع المدني عدة اتحادات للتجار منها اتحاد سوق القصابين؛ بهدف تنظيم عمل تجار اللحوم والجزارين وحل مشاكلهم، إلا أن الاتحاد لم يقم بمهامه على الوجه الأكمل، فقامت هيئة البلديات بضم الاتحاد إليها لفترة إلى أن تم تشكيل غرفة التجارة والصناعة وأصبحت الاتحادات التجارية كافة منضوية تحت سقفها، وأولت الغرفة أهمية كبيرة للثروة الحيوانية وتجارة اللحوم في مدينة قامشلو. وأولت أهمية كبيرة للتجارة المنظمة؛ ذلك أن التجارة العشوائية تتسبب للمواشي بعدة مشاكل من أهمها انتشار الأمراض والأوبئة.

 

 

تشكيل إدارة عامة للمحروقات في مقاطعة الجزيرة

 

ومن نتاج ثورة روج آفا من الناحية الاقتصادية تشكيل إدارة عامة للمحروقات برعاية هيئة البلديات والبيئة في مقاطعة الجزيرة، حيث عقد اجتماع وفيه عيّن أعضاء هذه الإدارة. ومن مهام هذه الإدارة التنسيق مع شركة محروقات الجزيرة /سادكوب/؛ للوقوف على آلية توزيع المحروقات كافة، وحل المشاكل المتعلقة بكيفية توزيع مادة المازوت والغاز وإيجاد الحلول المناسبة لها. وكذلك تنظيم عمل الحراقات التي كانت تعمل بشكل حرّ سابقاً، وذلك بعد توقيفها عن العمل بشكل عشوائي، حيث تقرر ضم عمل الحراقات إلى الإدارة العامة للمحروقات والعمل مع أصحابها والتنسيق معاً، حيث كان تباع مادة النفط الخام سابقاً على أساس تنقيته وتصفيته واستخراج مادة المازوت منه ومن ثم إيراده إلى المقاطعة والعمل على توزيعه لاحقاً بما يناسب متطلبات المواطنين. ولكن؛ أصحاب الحراقات قاموا باحتكار مادة المازوت وبيعه بأسعار مضاعفة، لذلك؛ أصدرت الإدارة العامة للمحروقات القرارات الآنفة الذكر للحد من استغلال المواطنين وحل الأزمة الحالية وتوفير مادة المازوت.

 

الكوبراتيفات الزراعية

 

افتتح كوبراتيف المشروع الزراعي للعام المنصرم بمشاركة 35 امرأةً في قامشلو، و60 امرأةً في تربة سبيه، وقدرت مساحة الأراضي التي نُفذ عليها المشروع بمساحة تعادل 4000 دونمٍ مقسمة بين قامشلو وتربة سبيه. وسعر السهم فيه 50 ألف ليرة سورية، وفي سري كانيه شارك فيه 154 امرأة، ومساحة الأرض المقام عليها المشروع الزراعي 5000 دونمٍ، سعر السهم 30 ألف ليرةً كون سكان المنطقة من الطبقة الفقيرة، وفي الدرباسية شارك فيه 270 امرأة، وبلغت مساحة الأرض فيه 5000 دونمٍ، سعر السهم 25 ألف ليرة سورية مراعاة للأوضاع التي مرت بها المنطقة بعد هجمات المرتزقة عليها، وفي عامودا بمشاركة 198 امرأة، ومساحة الأرض التي نفذ عليها المشروع 5000 دونم، وسعر السهم 25 ألف ليرة سورية، وفي ديرك ساهمت فيه 135 امرأة، ومساحة الأرض 3800 دونم، قيمة السهم الواحد 60 ألف ليرة سورية.

 

مشروع ورشات الخياطة والتطريز

 

تقدمت ورشات الخياطة والتطريز في مناطق رميلان وديريك وقامشلو بعملها، وتعمل بالتنسيق فيما بينها، حيث تتخصص كل ورشة بإنتاج نوع معين من الملبوسات. وتختص ورشة رميلان بتصميم الأزياء وقصها وبالتالي إرسالها إلى ورشة وارشين في قامشلو لخياطتها كما تعمل الورشة على خياطة مستلزمات المؤسسات والجهات الخاصة، ويقوم المشغل بتطريز الشعارات الخاصة بكل مؤسسة، ويختلف فيه عدد الأعضاء وكمية الإنتاج حسب الطلبيات المتاحة.

 

أعمال هيئة الزراعة والاقتصاد الزراعي

 

كان لهيئة الزراعة عدة نشاطات ومشاريع داعمة للاقتصاد المجتمعي ومن أعمالها ونشاطاتها؛ دعمها للمشاريع الزراعية وتأمينها للبذار وتوزيعها على الفلاحين، كون القطاع الزراعي ذا أهمية قصوى في البنية الاقتصادية كقطاع رائد في مجال التنمية الاقتصادية ومستودع الأمن الغذائي ومصدر الرزق لنسبة عالية من السكان وهو يزود القطاع الصناعي بالمواد الأولية اللازمة للتنمية الصناعية ويُوثِّق شعور المواطن وارتباطه بالأرض والوطن.

 

مشاريع هيئة الاقتصاد في مقاطعة الجزيرة

 

عملت هيئة الاقتصاد في مقاطعة الجزيرة على المشاريع الاقتصادية بالتنسيق والعمل المشترك بين مركز التنمية الاقتصادية وحركة المجتمع الديمقراطي (TEV-DEM) ومؤسسة المجتمع المدني (SCS) للعمل يداً واحدة لرفع السوية الاقتصادية، فبعض تلك المشاريع لا زالت قيد الدراسة والبعض الآخر قيد التنفيذ؛ وذلك لتوفير فرص العمل والحد من البطالة، وكذلك لديها الكثير من المشاريع التي تشجع الاقتصاد المجتمعي كإعادة تأهيل المعامل والورش الصغيرة والاهتمام بالثروة الحيوانية والدواجن. والهيئة بصدد منح القروض للفلاحين وهدفها ليس الربح مطلقاً، بل تقديم الدعم والمساعدة لهم وتلبية احتياجات المواطنين.

 

أعمال هيئة الطاقة ونشاطاتها

 

قامت هيئة الطاقة بعدة نشاطات وأعمال، منذ الإعلان عن الإدارة الذاتية الديمقراطية في روج آفا وتشكيل الهيئات التي عنيت بتأمين الاحتياجات الأساسية، وإعادة إعمار البنى التحتية والخدمية بالرغم من الصراع الدائر في المنطقة وهجمات المرتزقة على المناطق المائية لانقطاع الكهرباء على الأهالي.

 

اتحاد المعامل والمصانع

 

عمل اتحاد المعامل والمصانع على افتتاح عدد من المعامل والمصانع في مقاطعة الجزيرة، قارب الستين معملاً ومصنعاً بين خاصةٍ وعامة يقوم بعض المستثمرين بإدارتها وتشغيلها، ومعامل عامة قامت الإدارة الذاتية بافتتاحها كدعم للاقتصاد المحلي في روج آفا ولتشغيل أكبر عدد من الأيدي العاملة. ومن المعامل التي افتتحتها الإدارة الذاتية معمل العبوات البلاستيكية في مدينة عامودا.

 

دور المرأة في الجمعيات التعاونية

 

تعتبر شركة لورين للمواد الغذائية من المشاريع الهامة التي ساهمت الجمعية في إنجاحها، حيث تعمل في الشركة عدد من  النساء يقمن بصنع المربيات والخضار المجففة وأطعمة المونة كالمكدوس والمخللات، وتقوم تلك السيدات بتأمين طلبيات وحدات حماية الشعب والمرأة من المؤن، وتقوم جمعية هفكرتن بشراء المنتجات من شركة لورين ومن ثم بيعها للجمعيات التعاونية (الكوبراتيف) وبالتالي إلى المستهلك وبأسعار مناسبة.

 

تنظيم قطاع الثروة الحيوانية في مقاطعة الجزيرة

 

فُتح في مقاطعة الجزيرة مكتب الثروة الحيوانية بغرض تفعيل هذا القطاع الهام والإشراف عليه، وفي مدة قصيرة من بداية عام 2017م قام بالكثير من الأعمال لتطوير الثروة الحيوانية ومعالجة الأمراض وتشخيصها وتوزيع اللقاحات، وتجهيز المخبر بالمستلزمات المناسبة.

مشروع الحجر البيطري قيد التنفيذ

وهناك مشروع هام ونوعي وقيد التنفيذ وهو مشروع الحجر البيطري وعمله سيكون على المعابر الحدودية في مقاطعة الجزيرة، مثل معبر سيمالكا ومعبر قنطري. وللثروة الحيوانية مكاتب في المدن، ولها أطباء بيطريون يقومون بفحص المواشي الداخلة إلى روج آفا لوجود بعض الأمراض الوبائية التي تصاب بها المواشي لكيلا تنتشر في المقاطعة. ولهذا السبب أُنشئت المحاجر وذلك لمراقبة كل أنواع اللحوم، وكذلك مراقبة الدواء المنتهية الصلاحية. فمنذ بداية الأزمة السورية وحتى الوقت الراهن دخل إلى روج آفا الكثير من الأدوية الفاسدة والمواد الفعالة غير المطابقة للمواصفات القياسية من باكور وباشور كردستان ومن الداخل السوري ومن طرق غير مشروعة والتي تعرضت لأشعة الشمس. ووظيفة الحجر البيطري أخذ عينات من تلك الأدوية وتحليلها والحفاظ على درجة البرودة المطلوبة لها، كما ويتم دخول الشاحنات بموجب ختم وكتاب، ليتم دخولها إلى المقاطعة بشكل نظامي ومراقبة بعض المنتجات الغذائية التابعة للصحة الحيوانية مثل: جميع أنواع اللحوم التي تدخل المقاطعة يكون عن طريق الحجر البيطري والمخبر البيطري.

اتحاد المهندسين الزراعيين في مقاطعة الجزيرة

 

أنشأ فرع اتحاد المهندسين الزراعين في24/11/2016م وافتتحت مراكز اتحاد المهندسين الزراعين في إيالات مقاطعة الجزيرة (مناطق)، وقام الاتحاد ببعض الأعمال ومنها إعطاء دورة تدريبة مستعجلة للمهندسين الزراعين، وفتح تسع غرف في كل إيالة غرفة.

 

روث الحيوانات والاستفادة منه اقتصادياً في مقاطعة الجزيرة

 

وبهدف توفير وتصنيع السماد العضوي كبديل للسماد الكيماوي في منطقة الخانات، بدأ برنامج الأمم المتحدة الإنمائي بالتنسيق مع بلدية قامشلو المركزية بمشروع لتصنيع السماد العضوي (الكومبوست) عن طريق جمعية حماية البيئة من مخلفات الحيوانات في قرية جمعاية بمدينة قامشلو، وسيكون هذا المشروع نموذجاً يستخدمه أصحاب الخانات للتخلص من الآثار السلبية التي يسببها روث الحيوانات وكما توفر فرص عمل للكثير من الأيدي العاملة، إضافةً إلى توفير وتصنيع السماد العضوي الذي يزيد خصوبة التربة طبيعياً ويكسبها تماسكاً ويعيد إصلاحها، والذي يعتبر بديلاً عن الأسمدة الكيماوية المفقودة في الأسواق. فالسماد العضوي هو السماد غير المحتوي على أي مواد كيميائية، ويوصف بأنه السماد الأمثل لعمليات الزراعة، وهو السماد الذي ينتج عن التحلل بالبكتيريا للمخلفات الحيوانية، وتعد منطقة جمعاية في مدينة قامشلو منطقة خانات لتربية الماشية (الحظائر) وهي أكثر منطقة يشتكي منها الأهالي من الرائحة الكريهة؛ بسبب تراكم روث (مخلفات) الحيوانات الذي يؤدي إلى انتشار الأوبئة والأمراض مثل (اللاشمانيا). ويعتبر المشروع توعوياً أكثر مما هو اقتصادياً.

تقرير/ بيريفان حمي